أبو سعد منصور بن الحسين الآبي

84

نثر الدر في المحاضرات

إلى العشاء ، ولم يطعم ولم يشرب ؛ فدخل إلى المأمون فعرّفه خبره ، فبينما هو يخاطبه إذ صيح : السلاح السلاح ، واستفحل أمر الروم ؛ فقال له المأمون : ارجع يا أبا إسحاق إلى موضعك . فقال : نعم يا أمير المؤمنين . أمضي إلى مضربي وأركب من ثمّ ؛ فكأنّ المأمون كره هذا منه ، ونكّس رأسه ، واشتدّ عليه تأخيره لأمره ، ففطن المعتصم ؛ فقال : يا أمير المؤمنين ؛ إنّ اللّه عزّ وجلّ يقول : كَلَّا إِنَّ الْإِنْسانَ لَيَطْغى ( 6 ) أَنْ رَآهُ اسْتَغْنى ( 7 ) [ العلق : الآيتان 6 ، 7 ] واللّه لقد رأيتني ومالي من الدوابّ إلا أربع ، ومن الغلمان إلا أربعة ، وإني لأقف على باب الحسن بن سهل سائر يومي ، أتمنّى أن يأمرني بأمر أنفذ فيه ، ولي من كلّ هذا اليوم ألوف بتفضّل أمير المؤمنين ، وهو يأمرني بأمر فيه شرفي فأشترط عليه . أنا أمضي من وجهي هذا على هيئتي هذه . فضحك المأمون وقال : ادن إليّ ؛ فدنا إليه ، فقبّل بين عينيه ، ودعا له بالظفر ، وخرج . قال بعضهم : سمعت المعتصم يقول : إذا نصر الهوى بطل الرّأي . وقال لأحمد بن أبي دواد لما كان من لتياث العباس بن المأمون ما كان : يا أبا عبد اللّه ؛ أكره أن أحبسه فأهتكه ، وأكره أن أدعه فأهمله . فقال : الحبس - أصلح اللّه أمير المؤمنين ؛ فإنّ الاعتذار خير من الاغترار . وقيل : ما رئي أشدّ تيقظا في حرب من المعتصم ؛ كانت الأخبار ترد عليه من أرض بابل إلى « سرّ من رأى » في ثلاثة أيام على عتاق مضمّرة ، قد أقام على كل فرسخ فرسين . واحتاج الناس في حصار عمّورية إلى ماء فمدّ لهم حياضا من أدم عشرة أميال وغير ذلك ، مما سنذكر ذلك بعون اللّه . وقال الفضل بن مروان : كان المعتصم يختلف إلى عليّ بن عاصم المحدّث ، وكنت أمضي معه إليه ؛ فقال يوما : حدّثنا عمرو بن عبيد - وكان قدريّا « 1 » - فقال له المعتصم : يا أبا الحسن ؛ أما تروي : « أنّ القدرية مجوس هذه

--> ( 1 ) القدرية : هم المعتزلة لقبوا بالقدرية لقولهم بالقدر خيره وشره من العبد ونفوا ذلك عن اللّه تعالى ، واستدلوا ببعض الأحاديث الواردة في هذا المجال ، وكانت لهم آراء كثيرة ، وقد انقسمت المعتزلة القدرية إلى عشرين فرقة ، وكل فرقة انقسمت بدورها إلى عدة فرق ، وقد ذكر أصحاب